أُقَاتِلُ نَفْسِي… أَمْ عَلَى جَمْرِ الْخَطَايَا أَرْتَمِي؟ وَأَمْضِي وَفِي ضُلُوعِي لَوْعَةُ الْأَلَمِ كَأَنِّي أُقَاتِلُ جَيْشَ شَهَوَاتٍ يُحَاصِرُنِي وَيَغْرِسُ السُّمَّ فِي رُوحِي… وَفِي دَمِي كَأَنِّي أُقَاتِلُ جَيْشَ شَيَاطِينٍ بِلا عَدَدٍ كُلَّمَا هَزَمْتُ شَيْطَانًا… قَامَ آخَرُ يَبْتَسِمُ هَلِ الذَّنْبُ ذَنْبِي… أَمِ الدُّنْيَا الَّتِي عَرَجَتْ بِأَهْلِهَا؟ حَتَّى غَدَا الْعُهْرُ زِينَةَ عَصْرِنَا وَغَدَا الْفَاسِدُ الْمَشْهُورُ… مُحْتَرَمًا يُحْتَفَى بِهِ وَغَدَا الطُّهْرُ غَرِيبًا بَيْنَنَا وَكَأَنَّ صَوْتَ الْحَقِّ أَصْبَحَ هَمْسًا مُنْكَسِرًا فِي زَمَنٍ… فِيهِ صَوْتُ الْبَاطِلِ احْتَدَمَ يَمْشِي الْفَسَادُ عَلَى الْمَنَابِرِ ضَاحِكًا وَيُصَفِّقُ الْعُمْيَانُ… حَتَّى يَرْتَفِعَ الصَّنَمُ وَالنَّاسُ تَرْكُضُ خَلْفَ وَهْمٍ لَامِعٍ كَأَنَّ أَعْمَارَهُمْ لِلَّهْوِ تَغْتَنِمُ يَبْكِي الضَّمِيرُ بِدَاخِلِي مُتَوَجِّعًا وَأَضُمُّهُ… وَكَأَنَّنِي الْخَصْمُ وَالْحَكَمُ أُصَلِّي… ثُمَّ أَرْجِعُ إِلَى الذَّنْبِ مَكْسُورًا، مُمَزَّقٌ أَنَا مَا بَيْنَ مَقَامِ التُّقَى… وَحَافَّةِ النَّدَمِ! هَذِهِ الدُّنْيَا تَأْكُلُنَا أَحْيَاءً، وَتُحَاصِرُنَا بِمَوْجِ الْفِتَنِ، تَسْقِينَا الشَّهْوَةَ حَتَّى نَمُوتَ بِلا سَمَاءٍ وَلَا كَفَنٍ! نَرْكُضُ خَلْفَ لَذَّاتِنَا كَالْعُمْيَانِ فِي نَارِ الْفَنَاءِ، وَنَبِيعُ جَنَّاتِ الْخُلُودِ لِكَيْ نَهِيمَ فِي الشَّقَاءِ! وَنَفِرُّ مِنْ حَقٍّ يَقِينٍ… أَنَّ أَعْظَمَ الْحُرُوبِ، وَأَقْسَى الْجِهَادِ الْمَكْتُوبِ فِينَا، هُوَ أَنْ نَدُوسَ عَلَى هَوَانَا، وَنَسْحَقَ كِبْرَنَا الْعَنِيدَ! رَأَيْتُ الْبَشَرَ فِي غَفْلَةٍ يَبْنُونَ عُرُوشًا مِنْ دُخَانٍ، وَيَضْحَكُونَ وَالْمَوْتُ يَتَرَبَّصُ فِي كُلِّ مَكَانٍ! رَأَيْتُ الْقُلُوبَ تَسْجُدُ ذَلِيلَةً لِلْمَالِ وَأَوْهَامِ الظُّهُورِ، حَتَّى غَدَا الْإِنْسَانُ عَبْدًا لِنَفْسِهِ وَهُوَ غَارِقٌ بِلا شُعُورٍ! مَنْ يَنْتَصِرْ عَلَى نَفْسِهِ وَيَسْحَقْ شَهْوَتَهَا بِيَقِينٍ، يَمْلِكْ أَعْظَمَ الْمُعْجِزَاتِ، وَيَطِيرْ نَحْوَ اللَّهِ مَعَ الصَّادِقِينَ! فَالْحَرْبُ لَيْسَتْ بِالسُّيُوفِ وَالسِّلَاحِ، بَلْ فِي الْقُلُوبِ حِينَ تَنْتَزِعُ طُهْرَهَا… وَتَأْبَى السُّقُوطَ أَمَامَ اللَّذَّاتِ! أُقَاتِلُ نَفْسِي… وَسَأَظَلُّ أُرْغِمُهَا عَلَى التَّطْهِيرِ، كُلَّ يَوْمٍ أَسْقُطُ نَادِمًا، ثُمَّ أَعُودُ لِلنُّورِ الْكَبِيرِ. مَهْمَا كَبَا قَلْبِي وَأَعْمَاهُ الضَّبَابُ… رَبَّاهُ، إِنِّي رَاجِعٌ… وَبَابُكَ هُوَ الْمَآبُ!