وَقَفْتُ عَلَى بَابِ الزَّمَانِ أُعَاتِبُهُ
وَأَسْأَلُهُ عَنِّي وَعَنْ أَحْبَابِي
فَرَدَّ عَلَيَّ بِصَمْتِهِ الْمُوحِشِ
وَقَالَ…
مَضَى مَا كَانَ مِنْ أَصْحَابِي
رَحَلُوا… رَحَلُوا…
وَمَا بَقِيَ إِلَّا عَذَابِي
مَا ذَنْبُ قَلْبِي حِينَ أَحْبَبْتُهُمْ
وَصُنْتُ وُدَّهُمْ وَرَعَيْتُ عَهْدَهُمْ
مَا ذَنْبُ قَلْبِي حِينَ وَاسَيْتُهُمْ
وَبِتُّ أَسْهَرُ اللَّيْلَ لِأَجْلِ هَمِّهِمْ
مَا ذَنْبُ قَلْبِي حِينَ صَدَّقْتُهُمْ
فَكَانَ جَزَاؤُهُمْ بَعْدَ قُرْبِهِمْ
جَفْوَةً وَصَدًّا…
آه… يَا قَسْوَةَ الْبُعْدِ
وَيَا ضَيْعَةَ الْعُمْرِ
وَيَا كَسْرَةَ الْخَاطِرِ
وَيَا غُرْبَةَ الرُّوحِ
وَيَا أَنِينَ الْجِرَاحِ
آه…
سَأَلْتُ قَلْبِي: هَلْ تَعُودُ لِمَا مَضَى؟
فَأَجَابَنِي: هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ أَنْ أَعُودَ إِلَيْهِمْ
بَعْدَ ذَهَابِي…
تَرَكْتُ الْوَرَى خَلْفِي
وَمَضَيْتُ وَحْدِي أَبْحَثُ عَنْ نَفْسِي
بِغَيْرِ جَوَابٍ
لَا عُذْرَ لِي إِلَّا ذَهَابِي عَنْكُمْ
فَإِذَا ذَهَبْتُ…
فَيَأْسُكُمْ مِنْ رَجْعَتِي
فَوَاللهِ لَأَرْحَلَنَّ رَحِيلًا
لَا رَجْعَةَ فِيهِ أَبَدًا
وَلَا مُتَلَفِّتًا
وَلَأَنْفُضَنَّ يَدِي مِنْكُمْ
نَفْضَ الْأَنَامِلِ مِنْ تُرَابِ الْمَيِّتِ
سَأَمْضِي وَحْدِي
وَالطَّرِيقُ طَوِيلٌ
لَكِنَّنِي وَجَدْتُ بِنَفْسِي ذَاتِي
أَنَا وَالرَّحِيلُ صِرْنَا أَصْحَابًا
وَالْوَحْدَةُ صَارَتْ لِي أَنِيسًا وَشَرَفًا
فَإِنْ جَاءُوا غَدًا طَالِبِينَ وُدِّي
قُلْتُ… مَضَى زَمَانُ الْوَصْلِ
وَمَا سَلَفَ كَانَ خَطَئِي
حِينَ صَدَّقْتُكُمْ
فَالْإِنْسَانُ غَدَّارٌ…
وَإِنْ صَادَقْتَهُ
لَا يَنْفَعُ مَعَهُ حُبٌّ
وَلَا عِشْرَةٌ
وَلَا أَثَرٌ
تَرَكْتُمْ جُرْحًا…
عَلَّمَنِي دَرْسًا
أَنْ أَعِيشَ وَحِيدًا خَيْرٌ وَأَطْهَرُ
وَرَاحَةٌ لِقَلْبِي مِنْ وُجُودِكُمْ
فَبُعْدُكُمْ دَوَاءٌ…
وَقُرْبُكُمْ مَرَضٌ وَسَعِيرٌ